طبرق الجوزة التى يصعب كسرها


 

                                                                                      سقوط المخيلى

       كان أحد الطوابير يتقدم إلى مسوس فى اليوم الرابع من شهر أبريل ، حيث انتشرت الأنباء بين البريطانيين بأن الألمان يهاجمون
مسوس .

     قامت الحامية البريطانية فى مسوس بنسف خزانات الوقود ، وتركوا دباباتهم التى قدموا بها للتزود بالوقود ولاذوا بالفرار .

     وقد كان الهجوم الألمانى سريعاً ، فروميل وصل إلى بنغازى يوم 4 من أبريل ، وبدون أن يدمر العدو منشآت الميناء ، وتحرك روميل
شخصياً فى إحدى عربات الاستطلاع فى مقدمة طابور كتيبة الاستطلاع الثالثة التى يقودها العقيد " فريهر فون فيخمار " .

      لقد تم اندفاع الفيلق الأفريقى فى برقة . فمن إجدابيا توغلت مجموعة القتال التابعة للعميد " أشتريخ " ومعها كتيبة الرشاشات الثالثة
بقيادة  المقدم " بوناث " ، ومجموعة العقيد " فون جراف شفيرن " ، ومعها قوات إيطالية للقيام بعملية تطويق واسعة هدفها احتلال المخيلى
.

     أما الهجوم باتجاه مسوس فقامت به مجموعة العقيد " أولبريخ " ومعها القوات الرئيسية لفوج المدرعات الخامس ، وكتيبة الرشاشات
الثانية ، وأربعون دبابة من فرقة آريتى .

     كما تقدم العميد " كيرشنهايم " من بنغازى ومعه قوات من فرقة بريسكيا الإيطالية عبر الطريق الساحلى إلى  درنة .

       كان التقدم نحو المخيلى سريعاً وعاصفاً لدرجة اختلطت الخطط والقرارات من جراء السرعة، غير أن روميل استلم القيادة شخصياً
للتقدم نحو الهدف المخيلى .

     وبعد ظهر الخامس من ابريل وصل روميل إلى " بئر بن غنية " وفى هذه المنطقة سمع من التقارير الجوية أن المخيلى خالية من
العدو ، حيث أصدر روميل أوامره إلى مجموعة  " شفيرن" الطابور الأيمن : " المخيلى خالية من العدو ، تقدم نحوها ..تقدم بسرعة " .

     وفى فترة لاحقة من هذا اليوم طار روميل إلى مقدمة الطابور ثم اتصل بقائد الطابور الثانى " أولبريخ " الذى أخبر روميل بوجود
العدو بالمخيلى ، بل أخبره بوجود نقاط قوية للعدو .

     وبحلول الظلام وقف روميل فى  منطقة تقع شمال " بئر بن غنية " واتخذ قراراً : إذا تجاوز المخيلى فقد يستطيع قطع انسحاب العدو
الهارب شمالً وشرقاً ، والاندفاع حتى الطريق الساحلى.

     وفى الحقيقة وفى الحقيقة فإنه لم تتخذ الإجراءات كما أرادها روميل ، وفى اليوم الثانى – وهو يوم 6 من أبريل – توقع روميل
وجود قوات كافية حول المخيلى من محموعة الطابور الأوسط والأيمن ، وقد أمر روميل – الذى يؤمن بالسرعة – الطابور الأيمن بالتقدم
نحو المخيلى من الجنوب والجنوب الشرقى حيث وصلت معظم القوات عند المساء ، بينما تقدم طابور الوسط الذى يقوده " أولبريخ " وهى
الكتيبة الخامسة بانزر ، والذى تأخر لنقص الوقود ،ولم يتجاوز منطقة مسوس ، والتقدم إلى المخيلى إلاً عند حلول المساء .

    وفى الساعة " 0200 " صباح يوم السابع من أبريل أبرق الطابور الأيمن أنه نظراً لنقص الوقود لم تشارك المدفعية الإيطالية فى
الهجوم .

    وبد ساعة من ذلك جمع روميل وقود عدد خمسة وثلاثين برميلاً – كما ذكر فى مذكراته فيما بعد – وقاد عربته إلى أن وجد مدفعية
الطابور الأيمن ، وقد استغرق ذلك حتى صباح السابع من أبريل ، ثم أمرهم بالتقدم .

     وفى اليوم التالى – الثامن من أبريل – فتحت قطاعات من مجموعة الجناح الأيمن الهجوم على المخيلى ، وقد شاهد روميل – وهو فى
طائرته من الجو – طوابير العدو

    حاولت القوات البريطانية الاختراق شرقاً ، وبعد وصول كتيبة البانزر الخامسة من الغرب ، أرسل روميل جزءاً من هذه القوات إلى
الشمال لقطع الطريق الساحلى ، وقد كانت هذه القوة محدودة .

    قام روميل بفرز قوة تحت اليد من طابور " شفيرن " وقادها بنفسه إلى درنة ، حيث وصل إلى الطريق الساحلى فى الساعة "18.00 "
مساءً من اليوم الثامن من أبريل .

        تقدمت قوة استطلاع العقيد " فون فيخمار " شمالاً من بنغازى ثم اتجهت شرقاً إلى الخروبة للدخول فى معركة المخيلى ، وفى نفس
 الوقت كانت الفرقة الإيطالية " بريسيا " تتقدم عبر الطريق الساحلى ، إنه هجوم ذو وتيرة عالية ، تقدم سريع ، حيث تم هذا كله فى ستة أيام
                                                                    بنجاح مذهل ، فأخلى البريطانيون برقة .
          وعند عودة روميل إلى المخيلى وجد الفرقة الخامسة الخفيفة فى المنطقة يخطط قادتها لإعطاء القوات يومين للراحة والإدامة
  أسلحتهم ودباباتهم ، لكن روميل ليس من الذين يقبلون هذا ، فأمرهم فوراً وبحدة بالتقدم ليلاً على التميمى ، وفى صباح اليوم التالى كانت
                                                       القوات فى منطقة عين الغزالة مستعدة للهجوم على طبرق .
                                                                           15-  أسر القادة البريطانيين :
        الذين يعرفون جغرافية المنطقة وطبيعة المنطقة والمسافات التى قطعت من العقيلة والبريقة ، مع العودة على الوراء لخمسة عقود
 من الزمن ، حيث تم تطوير الدبابات والمدفعية الذاتية الحركة ، لا بد أن يلهث مع لمتابعة حركة وديناميكية جنود فيلق أفريقيا
                                                 وقادته ، ولا بد من العودة إلى الوراء للربط الأحداث .
        عندما تضاربت التقارير لدى الفريق " ويفل " – وكما ذكرت – من مركز قيادته  فى القاهرة جاء ليهبط
 فى المرج وبصحبته اللواء " أوكنور " لزيارة اللواء " نيم"Nemme- - وللإلمام بالموقف شخصياً ، وقبل أن يطير عائداً
                             إلى القاهرة ، أمر اللواء " أوكنور " بالعمل مع اللواء " نيم " كمستشار وخبير فى حرب الصحراء .
        واللواء " أوكنور " ضابط إيرلندى ، خبير فى حرب الصحراء ، وهو الذى تولى قيادة القوات البريطانية التى طردت ودمرت القسم
                                                     الأكبر من الجيش الإيطالى العاشر بقيادة المشير " غراسيانى " .
     فى السادس من أبريل خرج القائدان البريطانيان _ اللواء " نيم " واللواء " أوكنور"- من قرية مراوة متجهين إلى مركز القيادة
البريطانية الجديد قرب قرية التميمى ، فَضلاً الطريق ووصلا إلى درنة عبر الطريق الشمالى ، حيث تم تطويقهما من قبل مجموعة المقدم "
بوناث " ووقعا فى  الأسر ، ووقع أيضاً فى الأسر كل من : اللواء " جمبار بارى " والعميد " مورجان " مع ألفين من الجنود الذين يؤلفون
القسم الأكبر من اللواء الهندى الثالث ، وسرية مدفعية ، ومركز قيادة الفرقة الثانية المدرعة ، وقد تم ذلك بعد تطويق منطقة المخيلى من قبل
مجموعتى قتال " شفيرن" ، و" شتريخ " ،وقد سقطت منطقة المخيلى بتاريخ 7 / 4 / 1941 ، هذا الموقع الذى يعتبر قلب برقة وحصنها
الصحراوى ، وصارت مستودعاته غنيمة فى يد الألمان .
    غنيمتان من مستودعات المخيلى استخدمهما روميل : نظارة بلاستيكية ضد الغبار ، وقد وضعها فوق قبعته وستظهر فى كل صورة من
صور روميل فى أفريقيا ، والغنيمة الأخرى عربة قيادة خفيفة بها معدات مكتب واتصالات ، استخدمها روميل ، كما سيستخدمها قائد الفيلق
الأفريقى فيما بعد " اللواء كرويل " وستسمى فى كل المصادر " عربة ماموث".
    بدأت طلائع الفرقة الخامسة عشر بانزر تصل من ألمانيا إلى موانىء إيطاليا ، ثم بحراً إلى طرابلس ، ورأساً إلى الجبهة عبر الطريق
الساحلى الطويل ، وستكون هذه الفرقة التوأم للفرقة الخامسة الخفيفة والتى ستسمى فيما بعد : الفرقة الحادية والعشرون بانزر .
    البيت الأبيض.
    البيت الأبيض المهجور الاسم الذى أطلقه الملازم أول" هاينز فارنر شميدت " مرافق روميل ن وهو بيت يقع على بعد ثلاثين كيلو متر
غرب مدينة طبرق .وهو مبنى كان يستخدمه مهندسو الطرق الإيطاليون .
    فى هذا البيت عشت جزءً من طفولتى قرب قرية المرصص ن ولم أكن أعلم آنذاك أن روميل وأركاناته قد استخدموا هذا المبنى كمقر
قيادة للفيلق الأفريقى ، وبقربه أيضاً دفن أول الرتب العليا من القادة الألمان قائد الفرقة : " فون برتيفيز".
    وصل العميد " كيرشهايم " مبعوثاً من القيادة العليا الألمانية إلى أفريقيا ، والذى طلب منه روميل أن يذهب إلى طبرق لاستطلاع مواقع
المدفعية وقصف الميناء.
    وبناءً على أمر روميل فقد قاد الزائر " كيرشهايم " مجموعة قتال غير أنه سقط جريحاً على الطريق الساحلى من جراء غارة جوية
عندما كان واقفاً مع اللواء " فون برتيفرز " .
    إن الفرقة 15 بانزر ، وهى فرقة العميد  " فون برتيفيز" لم تكتمل وحداتها بعد ، حيث لا زالت بعض الوحدات فى طرابلس ، وكلفه
روميل مع مجموعة استطلاع تقدم بها مع كتيبة من فوج الرشاشات الثامن ، وعند الكيلو 17 غرب طبرق ، وفى مواجهة وادى السهل
وحيث الجسر الصغير المدمر ، ومن خلال رماية الأسلحة الثقيلة والمدفعية القادمة من بعيد فوجئوا بموقع مموه للعدو ، وعندما حاولت
العربة الانسحاب أصيبت بقذيفة مدفع مضاد للدروع فقتل العميد " فون برتيفيز " وسائقه ، وكان هذا أول قادة التشكيلات الألمانية الذى يموت
على رأس قواته فى ليبيا من القارة الأفريقية .
    وكان المدافعون فى الجانب الاخر من وادى السهل مقابل الجسر المدمر هم من المشاة الأسترالية ، وكان ذلك فى اليوم السابق على
معركة طبرق التى بدأت يوم الجمعة : 11 من أبريل 1941 .ولقد تم سحب جثمان اللواء القتيل ليدفن فى مواجهة البيت الأبيض عند الكيلو
ثلاثين ، والمعروف " ببيت المرصص "، حيث كا صوت روميل يزمجر من هذا المكان : " ..كل رجل ....إلى الأمام  إلى طبرق " .
    طــــــبرق
    عندما فكر الفريق " ويفل " بإخلاء طبرق أبرق إليه رئيس الوزراء البريطانى " ونستون تشرشل " بعدم التخلى عن طبرق والدفاع عنها
.
    لم تكن دفاعات طبرق معروفة للألمان فى البداية ، وكان روميل مخطئاً عندما اعتقد أن الوقت لا يسمح للمدافعين باحتلال المواقع
بسبب سرعة تقدم الألمان ، واعتقاده بفقدان بعض المدافعين لأعصابهم : لكن الواقع كان غير ذلك ، فالمدافعون هم جنود الفرقة الأسترالية
التاسعة تحت قيادة أسترالى عنيد هو اللواء " مورهيد " والذى قد دعمت فرقته الأسترالية باللواء الرابع الذى وصل من مصر بحراً .
    هؤلاء الأستراليون الذين قال عنهم روميل عند استعراضهم لبعض الأسرى : " ضخام،  ورجال أقوياء " ، وقد كان الجنود الأستراليون
الأقوياء يحتلون مواقعهم حول دفاعات طبرق فى نقاط قوية يقاتلون بشجاعة .

    16--دفاعات طبرق

    إن دفاعات طبرق تم تشييدها من قبل الإيطاليين ، وتتكون من نطاقين من الخنادق المشيدة بالإسمنت المسلح ، ( ولقد وقفت شخصياً
على تحصينات رأس المدور ووجدت لوحة رخامية كتب عليها تاريخ عام 1936 وإسم وحدة الأشغال العسكرية وعلامة الحزب الفاشستى
الحزمة الشهيرة للعصى والبلطة. وسيتم نشر الصورة)  وتفصل بين النطاقين مسافة تقدر بألف ياردة ، صمم فى كل قطاع عدد من المواقع
الدفاعية بعمق ثمانية أقدام ،  ومواقع للأسلحة : الهاونات ، الرشاشات ، ومدافع ضد الدروع ، وترتبط مواقع رماية الأسلحة بخنادق
المواصلات ، وحول النطاق الخارجى تم حفر خندق ضد الدبابات .
    ويحتل كل نقطة قوية عدد أربعون جندياً بمحيط دائرى مسافة تسعين ياردة محاطة بالأسلاك الشائكة .
    وعند استلام روميل للخرائط الإيطالية للدفاعات ، وخطط للهجوم على طبرق من عدة اتجاهات . ولكن طبرق فى هذا الوقت كانت
مستعدة للحصار .
    وفى يوم الهجوم قامت فرقة " بريسكيا "وفرقة " ترنتو " بقادة اللواء " دى ستيفانى " بمظاهرة من الغرب لإثارة الغبار ن وتلك كانت
مهمة القوات الإيطالية .
    وتحركت الفرقة الخامسة الخفيفة من مواقعها إلى الجنوب الشرقى ، وأمرت الفرقة  "آريتى " الإيطالية بالتحرك إلى منطقة العدم – "
قاعدة جمال عبدالناصر الجوية الآن " _ فى جنوب طبرق للمساعدة من ذلك الجناح ، وفى نفس الوقت بدأت الفرقة الخامسة عشرة بانزر
بالوصول . ولقد تحركت بعض القوات مع الكتيبة الثالثة استطلاع ، حيث قامت باحتلال منطقة العدم يوم 10 من شهر أبريل 1941 ، صار
الطوق كاملاً حول طبرق .
    وللقد انطلقت الكتيبة الخامسة بانزر، ( و "بانزر" تعنى الدبابات باللغة الألمانية، وقد اشتهرت الفرقتان 15 و 21 دبابات فى صحراء
ليبيا ) بعد الظهر على جنوب طبرق ، حيث قاد الهجوم العميد " اشترايخ " الذى فشل فى الهجوم ، وقد أصيبت قواته بخسائر فادحة لانفصال
المشاة عن الدبابات ولتحصن المدافعين فى خنادق كانوا يغطون منها ميدان المعركة بالرماية ، حيث الرؤية واضحة .
    كان وقت انطلاق الهجوم الأول على طبرق فى تمام الساعة " 04.30 " صباحاً بانطلاق فوج الرشاشات الثامن بقيادة المقدم " بوناث "
من الفرقة الخامسة الخفيفة ، وقد فشل الهجوم الأول وبخسائر فادحة .
    ويمكن تلخيص ما جرى على النحو التالى :
    كان اعتقاد روميل أن كل شىء جيد ، وانطلق فجراً إلى الأمام ، وبعد ساعات أرسل العميد " اشترايخ " وآمر كتيبة الدبابات " أولبرايخ "
تقريراً إلى مركز قيادة الفيلق الأفريقى : إن الدبابات انفصلت عن المشاة وأوقف التقدم مع عدم القدرة على تعزيز الوحدات المتقدمة، قصف
مركز من مدفعية ضد الدروع من الأجنحة ، وقصف بالطيران البريطانى ، وكان القصف العنيف ينطلق من اتجاه حصن " بلاسترينو " ( وهو
حصن يقع فى سقيفة طبرق).
    وما حدث هو : انسحاب فرقة " آريتى " وبقية القوات ، وبعد أسبوعين من الهجوم الأول أمر روميل بالهجوم على نقطة استطلاع
ومراقبة احتلها العدو ، وتبعد عن طبرق حوالى ثمانية أميال ، وهى فى الجنوب الغربى من طبرق فى رأس المدور ، حيث كانت تسيطر على
خطوط إمداد الفيلق الأفريقى من الغرب ، ولكن قبل أن يبدأ الهجوم وصل إلى روميل زائر من برلين ، كان هذا الزائر هو الفريق " فون
باولوس " رئيس فرع العمليات فى رئاسة أركان الجيش الألمانى ، والذى وصل يوم 27 من أبريل للإطلاع والتفتيش ، وكان الفريق "
باولوس " يقارب روميل فى العمر ، ومن ضباط هيئة الأركان الأذكياء .
    وقد كان " باولوس " يملك صلاحيات لرفض أى تحرك رئيسى لروميل، ولقد شاهد فشل الهجوم على طبرق ، وكذلك شاهد هجوماً آخر
محدوداً كان هدفه رأس المدور ، والذى رغم نجاحه فق كلف روميل خسائر فى الرجال .
    بعد عودة الفريق " باولوس " على برلين – وبعد أن قضى أربعة أيام فى الصحراء – وشاهد فشل الهجوم على طبرق كتب تقريراً على
القيادة العليا : " ..إن القوات حول طبرق يجب سحبها إلى مواقع عين الغزالة ، لتقصير خطوط مواصلات روميل ..وأضاف أن الفيلق
الأفريقى فى حاجة إلى كل شىء ، وإذا لم تتخذ الإجراءات الفورية بالإسراع فى الإمدادات العسكرية ، ينبغى عدم التورط فى إرسال قوات
أخرى للاشتراك فى الحصار ن وينبغى أيضاً إيقاف أى تقدم .
    كما أوصى الفريق " باولوس " فى تقريره ، بعد مشاهدته لهجمات روميل ما بين : 30 أبريل ، والرابع من مايو 1941 " ...إن
القوات حول طبرق يجب سحبها إلى مواقع عين الغزالة ، لتقصير خطوط مواصلات روميل ، وعدم تجديد الهجوم إلاً إذا انسحب العدو من
طبرق ، بناء على استراتيجية خاصة به " .
    ومن سخرية الأقدار أن الفريق " باولوس " الذى سيرقى إلى رتبة مشير ، ويتولى قيادة الجيش السادس ، سيتعرض للاستسلام بعد
حصار " ستالينجراد " – مع جيشه البالغ تعداده " 90.000 " تسعون ألف رجل ، إلى الجيش الأحمر السوفيتى – بعد واحد وعشرين شهراً
من الآن .
    وكما يقول " هاينز فرنر شميدت " – وهو أحد مرافقى روميل - : " إننا لن ننسحب إلى مواقع آمنة فى عين الغزالة ن وكنت متأكداً أن
روميل لن يقتنع ، وخصوصاً بموقف سلبى فى الصحراء ... وفى الحقيقة ، فقد حدثت تغييرات بعد تقرير " باولوس " ...نحن لم نتراجع إلى
الخلف إلى عين الغزالة ...".
    وفى هذه المرحلة أمر روميل مجموعتى قتال بالتقدم شرقاً بالالتفاف حول طبرق ، الأولى بقيادة " فون فيخمار " وهى الكتيبة الثالثة
استطلاع ، والمجموعة الثانية بقيادة المقدم " كناب " وهى كتيبة المشاة الميكانيكية الخامسة عشرة ، عدا سريتين ثقيلتن- كانتا موجودتين
فى إيطاليا ، وفى طريقهما إلى ليبيا – دعمت بالسرية الثالثة مدفعية ضد الدروع ، وبطارية مدفعية عيار 88 مم .
    وقد تمت محاصرة طبرق – هذه الجوزة التى يصعب كسرها -  وفى هذه المرحلة تقدم مركز قيادة المتقدم من مكانه فى البيت الأبيض
" المرصص " إلى منطقة غرب طبرق على ساحل البحر .
 
 

    17-معارك الحدود
      استمرت محاولات روميل للاستيلاء على طبرق حتى تاريخ : 7 / 5 / 1941 ، وفى نفس الوقت استمرت القوات الألمانية فى تقوية
استحكاماتها لحصار طبرق .
    وبدأ روميل مطاردة البريطانيين إلى الحدود المصرية ، حتى سقطت البردى فى أيدى كتيبة الاستطلاع الثالثة ن بتاريخ 12 / 4 /
1941 ، كما سقطت كابوتسو والسلوم فى نفس التاريخ .
    بدأت الفرقة الخامسة عشرة بانزر فى الوصول من ألمانيا إلى الموانىء الإيطالية، وأرسل جزء منها بحراً وآخر جواً بطائرات " ينكرز
52 " إلى طرابلس ومنها إلى  خطوط الجبهة عبر الطريق الساحلى .
    فوج المدفعية 104 وصل من مطارات إيطاليا جواً عبر البحر الأبيض المتوسط ليهبطوا فى مناطق هبوط للطائرات قرب درنة ليتم
نقلهم بالعربات إلى منطقة عكرمة التى أصبحت نقطة تجمع للاقتراب من طبرق ، ثم انتقلوا لاحتلال الدفاعات حول طبرق .
    ثم بعد ذلك تم سحبهم لا للراحة – ولكن لمهمة أخرى أعنف – إلى السلوم ، وكابوتسو وممر حلفايا ، وهناك كانت تنتظرهم معركة
دامية ، وهم ضباط وجمود الفوج 115.
    وكان روميل يفكر فى طبرق التى يصعب احتلالها بهجوم عاصف ، نظراً للنقص فى القوات والإمدادات ، وكان فكره يسرح به لإلى
الحدود المصرية حيث انسحبت القوات الرئيسية البريطانية ، وحيث السلوم : القاعدة المتقدمة للبريطانيين .
    والبريطانيون كانوا قد شرعوا فى تقوية دفاعات الحدود بنقاط قوية فى كل من :حصن كابوتسو ، والسلوم .
    وكانت مشكلة روميل هى الإمدادات وخصوصاً عندما تقدمت قواته إلى الحدود المصرية فلإمداد يبدأ بسلسلة طويلة بداية من ألمانيا
إلى الموانىء الإيطالية ، ثم إلى طرابلس وبنغازى وعبر برقة ، وكان تقدير احتياج الفيلق الأفريقى شهرياً  60000 ستون ألف طن ، وكان
فى حاجة إلى 1500 ألف وخمسمائة طن يومياً لقواته المتقدمة عند الحدود.
    ونظراً لصعوبة الأرض حول طبرق فقد كلف روميل القوات الإيطالية ، وبعض القوات بإنشاء طريق حول طبرق، تبدأ من منطقة
عكرمة حول منطقة العدم إلى أن يصل إلى الطريق الساحلى : طبرق – البردى ، وذلك للابتعاد بأرتال الإمدادات عن مدى دفاعات طبرق
وتأثير المدفعية البريطانية ، وقد تم إنجاز هذا الطريق فى مدة ثلاثة أشهر فى خريف عام 1941 .
    ولقد أعاد روميل تنظيم جيشه ، وسحب بعض القوات الآلية الألمانية من المواقع الدفاعية واستبدالها بالإيطاليين للاحتفاظ باحتياطى
متحرك لصد أى هجوم بريطانى حول الجناح الجنوبى ن ويستطيع بهذه القوة الاحتياطية الألمانية الآلية إما التقدم إلى الحدود المصرية أو
التقدم رأساً إلى طبرق أو غربها إلى بئر حكيم وعين الغزالة .
    كما طلب فرقتين من القيادة العليا الإيطالية ، وبوصول الفرقة الخامسة عشرة بانزر والتى أعيد تنظيمها ، ولم تكتمل دفاعات السلوم ،
كما لم تحتلها المشاة الإيطالية حتى يوم : 15 مايو 1941 .
    وفى يوم 14 مايو 1941 ، التقط فرع التصنت التابع لركن الاستخبارات فى الفيلق الأفريقى من شبكة الاتصالات اللاسلكية
للبريطانيين المصطلح الرمزى " فريتز " ، ولم يكن ذلك واضحاً لمعرفة ماذا سيحدث ؟ ، ولكن استنتاجات الاستخبارات توقعت هجوماً بريطانياً
متوقعاً قريباً .
    وكانت مصادر استخبارات روميل فى شمال أفريقيا متعددة ، فبالإضافة إلى المعلومات التى ترسل من القيادة العليا الألمانية ، كانت
المصادر الأخرى كما يلى :
    1-                    الاستطلاع المباشر لسلاح الجو الألمانى " اللوفتواف " .
    2-                استطلاع القوات البرية ووحدات الاستطلاع .
    3-                 استطلاع الدوريات .
    4-                الأسرى والوثائق المستولى عليها كما حدث فى المخيلى .
    وكان العامل المهم فى الاستطلاع الألمانى هو سلاح الجو الألمانى ، وما لبث أن استفاد البريطانيون باستخدام القوة الجوية للصحراء
الغربية ، كما كانت تسمى آنذاك ، واستخدم البريطانيون الدوريات لمراقبة عمق وجناح الصحراء ، كما استخدموا بكفاءة غارات مجموعة
قوة الصحراء البعيدة المدى .
    كان الطرفان يستفيدان من معلومات أسرى الحرب ، وكان من عادة روميل مقابلة بعض الأسرى وخصوصاً من الضباط ، فقد قابل
الرائد " استيرلنج " عندما وقع فى الأسر ، كما قابل العميد النيوزيلاندى " بلاندى كلفتون " الذى وقع أسيراً ، وناقش روميل هذا الأسير الذى
حاول الهرب أكثر من عشرين مرة .
    وكان اعتماد روميل للمعلومات المهمة هو اعتراض الاتصالات اللاسلكية البريطانية ، والذين لم تكن اتصالاتهم مؤمنة خلال عام
1941.
    ورغم وجود بعض الصعوبات لدى استخبارات روميل ، فقد كانت تستكمل المعلومات من خلال التصنت على البريطانيين لمعرفة مواقع
التشكيلات والوحدات وتكوينها ، والحقيقة فقد استفاد الطرفان من ذلك .
    وكان المصطلح " فرتز " يعنى هجوم  " ويفل " على الحدود ، وقد كان هجوم البريطانيين محدوداً ، قام به اللواء السابع المدرع من
الفرقة السابعة المدرعة ، ولواء الحرس الثانى والعشرين ، وقد نجحوا فى الاستيلاء على السلوم وكابوتسو ، ولقد تأكد لروميل أن حركة
البريطانيين يوم : 15 مايو ستكون حول المرتفعات لاحتلال ممر حلفايا ، وكابوتسو ، والسلوم .
    وكان غرض الهجوم المحدود الذى قام به القائد البريطانى هو القيام بضربة قبل وصول الفرقة الخامسة عشرة بانزر ، والذى علم
بوصولها من خلال " ألترا " وهو الاسم الرمزى لجهاز فك الشفرة " الكود " باعتراض الاتصالات بين القيادة العليا فى برلين ، وقيادة الفيلق
الأفريقى فى ليبيا .
    وفى الحقيقة ، فإن الفرقة الخامسة عشرة بانزر قد وصلت ، وأن القسم الكبر منها مستعد فى الصحراء بقيادة العميد " فريهر فون
إيزيبك " .
    وكان رد روميل سريعاً كعادته ، حيث أرسل الكتيبة الثامنة بانزر مع مدفعية من عيار 88 مم ، ولارتباك البريطانيين ولرد فعل الألمان
القوى فقد قرروا الانسحاب وتركوا حامية فى ممر حلفايا .
    وصمم روميل على عدم ترك ممر حلفايا فى أيدى أعدائه ، فأمر مجموعتى قتال : الأولى تحت قياد العقيد " هيرف " ، والمجموعة
الثانية تحت قيادة المقدم " كرامر "  .( المقدم كرامر : نتيجة لخسائر الفيلق الأفريقى الألمانى فى القادة سيرقى إلى رتبة عميد ، وسيتولى
قيادة الفيلق الأفريقى فى تونس ، وتكون نهايته مع جنود الفيلق الشجعان فى مايو 1943 فى تونس. ) .
    لقد تحصل البريطانيون – بسيطرتهم على ممر حلفايا – على موقع متقدم أمام جبهة السلوم حيث سقطت الحامية اللمانية من فوج
المشاة 115، ومعها بطارية إيطالية فى الأسر بعد قتال عنيف وشجاع باستثناء اثنى عشر جندياً .
    ابتكر روميل استخدام ستارة من مدفعية عيار 88 مم ، والتى استخدمت بجدارة ضد الدروع ، وذلك بأن تنسحب دبابات روميل أمام
العدو لتجرً دبابته إلى ستارة من المدفعية لتدميرها وتدمير طوابير المشاة.
    وقد شكل روميل احيتياطى مدفعية للفيلق اللمانى الأفريقى تحيت قيادة العميد " بوتشر"   Bottcher "     " ؟.
    18--مسرح عمليات الحدود
         كان مسرح عمليات الحدود يشمل حصنى : سيدى عمر ، وكابوتسو ، وخط الأسلاك الشائكة الممتد قريباً من الحدود بطول " 85 "
خمسة وثمانين ميلاً فى الصحراء .
    وهذا الخط الذى سبق أن أمر بإقامته المشير الإيطالى "غرسيانى " – سفاح ليبيا – لمنع حصول الامدات عن المجاهدين العرب الليبيين
أثناء مرحلة الجهاد البطولى ضد الاحتلال الإيطالى " 1911-1932 ".
    وكانت الجبهة تبعد حوالى "  65 " خمسة وستين ميلاً شرقى طبرق ، وحيث توجد مرتفعات السلوم التى تنحدر انحداراً شديداً نحو
البحر بارتفاع " 600 " قدم ، وفى الساحل من شاطىء السلوم إلى الجنوب الشرقى تتكون هضبة طولها " 23 " ميلاً ،ويعتبر ممر حلفايا هو
الطريق المؤدى إلى مرتفعات الهضبة ، ومدخل هذا الممر محاط بالوديان حيث مجارى المياه .
    19-احتلال ممر حلفايا -
        أصدر روميل أوامره يوم 26 مايو 1941 لمجموعة قتال " هيرف " باحتلال ممر حلفايا ،ولفوج البانزر بقيادة " كرامر " بمهاجمة
" السلوم من الجنوب من الصحراء ، ثم الانحراف شمالاً لمهاجمة القوات البريطانية فى ممر حلفايا من الخلف ، كما شارك فى الهجوم مدفعية
الفوج " 33 " وقامت الكتيبة الأولى من فوج المدفعية " 194 " بالهجوم على الممر مواجهة على الأقدام،كما قام الفوج المدرع الخامس
متقدماً من غربى كابوتسو بهجوم مخادع من الجنوب تدعمه بطارية مدفعية وعدد خمسة مدافع عيار 88 مم ، وبعض بطاريات مدفعية
إيطالية .
    20- القسيس المقاتل –
          شقت الوحدات الطريق من السلوم ، فوق المرتفعات المحيطة بممر حلفايا ، وقد خسرت الكتيبة الأولى من الفوج " 104 " قائدها
فى المعركة ليستلم القيادة " قسيس لوثرى " هو المقدم الاحتياطى " فيلهليم جورج آدم باخ " الذى ولد فى مقاطعة بادن بتاريخ 5 / 11 /
1892 ، والذى استلم قيادة سرية المشاة العاشرة من الكتيبة " 104 " وبعد موت آمر الكتيبة تولى " باخ " قيادة الكتيبة 104 بتاريخ 7 /
10 / 1941 فى ممر حلفايا ، والذى استسلم بعد قتال بطولى بتاريخ 17 / 1 / 1942 ، حيث نقل إلى جنوب أفريقيا ، ثم أتاوا بكندا فى
معسكر الأسرى رقم " 20 " ، حيث أدخل إلى المستشفى العسكرى بتورنتو ، وتوفى بالمستشفى بتاريخ 22 / 12 /1942 ، ودفن بمدينة
تورنتو بكندا ، والذى يصفه المؤرخون الألمان بأنه : " رجل مرح ، وبارز البطن قليلاً ، يتكلم بلهجة مدينة بادن يهز عصاته ، وهو يمشى
بجانب رجاله فى درجة حرارة تبلغ من 40 إلى 50 درجة مئوية ، ورغم أن هذا الرجل العجوز المهذب الذى يبلغ طوله ستة أقدام ، لا يدل
مظهره على أنه رجل عسكرى صارم ، فقد كان بسيطاً ومتزناً ، يضع سيكاراً فى فمه دون أن يشعله ، وكان هو الضابط الوحيد الذى يسمح له
بعصا يتكئ عليها أمام المشير روميل ، وذلك لإصابته بعرج فى رجله .
    ولقد  شارك الرائد باخ فى الهجوم على ممر حلفايا ، وعرض نفسه للخطر بتحديد مواقع المدفعية المعادية التى تقصفهم ، لقد تمت
السيطرة على ممر حلفايا التى كان يدافع عنها فوج من خيرة المحاربين الإنكليز – الفوج الثالث من حرس " الكولد كريم " – الذين قاوموا
الهجوم ببسالة ، ثم تراجعت عن الموقع ليسقط الموقع فى أيدى الألمان .
    وسيتولى الدفاع عن ممر حلفايا فى القريب الرائد " باخ " الذى أطلق عليه الجنود الألمان " الشيطان المراوغ " أما البريطانيون
فيطلقون عليه اسم القسيس ، كما أطلق عليه أعداؤه البريطانيون " قسيس نار الجحيم " ، ولقد حياه أعداؤه باحترام بعد سقوط حلفايا فيما
بعد.