|
اليوم التالى كان يوم الأحد 23 نوفمبر عام 1941 ، وهذا اليوم هو ذكرى القداس السنوى على أرواح الموتى ، وذلك حسب التقويم اللوثرى - البروتستانتى- وفى العادة هو يوم الأحد فى الأسبوع الثالث من شهر نوفمبر فى كل عام ، ويطلق عليه الألمان " يوم ذكرى الأموات ...Totenn Sonntag". روميل فى هذا اليوم يسيطر على سيدى رزق ، ولقد علم بخسارة البريطانيين فى الرجال والدبابات فى منطقة قبر صالح ، وبئر الغبى ، والآن فى سيدى رزق ، مع محاولة هزيمة اللواء السابع المدرع الذى يحاول شمالاً باتجاه طبرق فى حركة جريئة ، ربما تمكنه من الانضمام إلى الفيلق الثلاثين . خلال ليلة 22 نوفمبر ، أمر روميل اللواء " كرويل " برقياً بتحريك الفرقة الخامسة عشرة بانزر التى عززت بكتيبة البانزر الخامسة التابعة للعميد " فون رافنشتاين " - من الفرقة الحادية والعشرين بانزر - من الجنوب الغربى فى نقطة شرقى سيدى رزق فى الصباح ليقابل دبابات فرقة "آريتى " التى لم تستخدم منذ اشتباكها باللواء الثانى والعشرين المدرع فى بئر الغبى يوم 19 نوفمبر لتدمير دبابات العدو جنوب سيدى رزق . تصرف اللواء " كرويل" بدون معرفته لأوامر روميل حيث لم ينتظر فك رموز برقية روميل الطويلة والمجفرة ، فحرك مقر قيادته قبل الفجر ليقود الفيلق الأفريقى فى معركة مركبة . وفى الساعة السادسة صباحاً " 06.00 " من يوم 23 نوفمبر اكتسح العدو مقر قيادته حيث فاجأته طلائع الفرقة النيوزيلاندية بقيادة اللواء " فرايبرغ " والمتقدمة غرباً بطول طريق كابوتسو ، تم أسر معظم أركاناته وعربة اللاسلكى للفيلق الأفريقى . وقد هرب اللواء " كرويل " فى عربة مدرعة جنوباً باتجاه فرقة " آريتى " وهكذا أصبح اللواء "كرويل " قائد الفيلق الأفريقى بدون اتصالات لاسلكية . تحرك كرويل نحو طوابير الإمدادات للفرقة السابعة المدرعة ، واللواء الخامس جنوب أفريقيا ، باتجاه الشمال الغربى ، حيث الجناح الأيسر للفيلق الثلاثين ليقوم بتطهير بئر الغبى . لقد كان كرويل فى حاجة لفرقة " آريتى " وخطط لمعظم الفيلق الأفريقى بالإضافة إلى فرقة " آريتى " للتحشد والتقدم شمالاً، كتلة ضخمة وصلبة لتجزئة وتدمير قوات الفيلق الثلاثين عند سيدى رزق . وهذا ما عرف فيما بعد - عند الجانبين المتحاربين – باسم معركة " يوم ذكرى الأموات " ويوم الأحد الدامى . ليس من السهل تعبيئة كتلة عظيمة من العربات لتعبر مع الفرقة المدرعة " آريتى " من فيلق آخر، وتغيير الاتجاه المسار إلى الشمال فى تشكيل ليضم كل من فرقة "آريتى " والفيلق الألمانى الأفريقى. روميل لم يقم بقيادة أى تشكيل ، فلقد كان مشغولاً بتحرك وتقدم الفيلق الثالث عشر غرباً على طول طريق كابوتسو ،باتجاه يعتبره روميل النقطة الحرجة فى المعركة ، وهى منطقة طبرق وسيدى رزق . هذه المنطقة التى بها مطار- أرض هبوط للطائرات – بعرض ثلاثة أميال آخذة فى الارتفاع كلما اتجهنا شرقاً ، الحافة الجنوبية لسيدى رزق تسمى لدى الفيلق الأفريقى بالمنحدر الثالث ، وتوجد به النقطة " 175 " ويحدها إلى الغرب قبر سيدى رزق ، وعلى طول المسطحات شمال هذه القمة الصخرية يمر طريق كابوتسو المحاذى لمنحدر آخر - الأول – الذى يمثل بعد خط الزعفران- بالحامض – الدودة آخر هذه المعالم قبل المناطق المحمية المحيطة بطبرق . تحرك روميل شخصياً على طريق كابوتسو ، وتحركت قيادة مجموعة بانزر أفريقيا خلال ليلة 21 نوفمبر من كمبوت إلى العدم - المهددة من أى تحرك فى اتجاه الغرب من الفيلق الثالث عشر – والتى تبعد حوالى خمسة عشر ميلاً جنوب طبرق . روميل كعادته - دائماً- كان بعيداً فى عربة القيادة " ماموث " ، والتى سبق أسرها من البريطانيين فى منطقة المخيلى . روميل يواجه ويقدر الموقف ، كما يمكن أن يكون فى النقطة الحاسمة للمعركة ، وترك اللواء "كرويل " لاتخاذ الإجراءات لمعركة : يوم ذكرى الأموات. وفى الجانب الآخر كان لدى اللواء " جوت Gott " - قائد الفرقة السابعة المدرعة - " 150 " دبابة من جميع الأنواع ، فى مكان ما جنوب سيدى رزق . دباباته تزيد على دبابات روميل ، ولكن ليس هذا هو عامل التفوق ، فالعامل الحاسم هو النوع وتأثير المدفعية ضد الدبابات والتى يجب أن تحسب ضمن الأعداد . خطة اللواء " جوت " قائد الفرقة السابعة المدرعة فشلت بتأثير حركة الفرقة الخامسة عشرة بانزر، والتى هاجمت الألوية المدرعة البريطانية من شرق وجنوب سيدى رزق ، وألحقت بها خسائر فى الظلام باكتساحها مركز قيادة اللواء الرابع المدرع . وفى اليوم التالى وهو يوم الأحد " أحد ذكرى الأموات 23 نوفمبر 1941 " كان روميل - ثعلب الصحراء – مسيطراً الآن على سيدى رزق ، وعلم بخسائر البريطانيين فى الدبابات والرجال فى منطقة قبر صالح ، وبئر الغبى والآن سيدى رزق بعد هزيمة كل من اللواء السابع المدرع أثناء محاولته الهجوم شمالاً من سيدى رزق باتجاه طبرق . كما تم الهجوم بالقسم الأكبر من الفيلق الأفريقى على الفرقة السابعة المدرعة ، وكان فى اعتقاد روميل أن هذه المعركة تنهى الفيلق الثلاثين . قوات كرويل انضمت إلى الفرقة المدرعة الإيطالية " آريتى " مستخدماً تعبية - تكتيك - يعتبر جديداً باستخدام الفيلق الأفريقى للدبابات والمدافع ضد الدروع متى كان ذلك ضرورياً ، والمشاة المحمولة فى صفوف مفتوحة ، الدبابات القائدة فى المقدمة ، والمشاة الآلية والخفيفة فى الخلف ، وفرقة " آريتى " على اليسار لخط الهجوم متجهة نحو الشمال . ولقد تعرض الفيلق الأفريقى لخسائر ثقيلة من قبل بقايا اللواء المدرع الثانى والعشرين والذى تحرك من الغرب إلى الشرق من خلال مؤخرة قواته المتقدمة ، ولكنه لم يكترث - كرويل - حيث نفذ من خلال لواء جنوب أفريقيا ليواجه بجبهة مستعرضة نحو الجنوب ، باستثناء ممر اتجاه سيدى رزق تحتله الفرقة الحادية والعشرون بانزر ، وكانت أقل من ملاكها فى الدبابات. وفى نهاية يوم 23 نوفمبر ، كان كل من الفيلق الأفريقى ، ومعظم دبابات الفيلق الثلاثين ينتشرون فى قطاعات مختلفة من الصحراء ، على بعد أميال قليلة من بعضها البعض . كلا الفيلقين يحصى خسائره ، وكانت أية محاولة بريطانية للاختراق من طبرق تواجه بالفرقة التسعين الخفيفة ، ومجموعة مدفعية العميد " بوتشر " لاحتوائها . تشكيلات الفيلق الثالث عشر تتحرك باتجاه طبرق ، ورغم كل هذا ، فروميل كان مبتهجاً ، ففى ليلة 23 نوفمبر وحسب كلمات سجلها أركاناته " كان روميل مبتهجاً بسبب بسيط ، فالقوات المحاصرة لطبرق لا زالت تجابه محاولات الفرقة السبعين البريطانية التى تحاول فك وخرق الحصار من الشرق ، متزامنة مع تقدم الفرقة النيوزيلاندية من الفيلق الثلاثين " . كان الموقف عجيباً فى الصحراء ، التشكيلات متداخلة ، وبدون نظام ، قوات الفيلق الثلاثين ، وقوات الفيلق الأفريقى ، مع مركز قيادة اللواء " كرويل " أقل من مائة دبابة ألمانية تتقدم . وقام ركن استخبارات روميل فى اليوم السابق بتقييم موقف دبابات البريطانيين ، واستنتجت أن لدى العدو " 600 " دبابة من جميع الأنواع ، وتحصلت على معلومات باستبدال بعض التشكيلات ، وإصلاح الدبابات العاطلة. إن روميل كان متأكداً من أن " معركة يوم أحد الأموات " دمرت معظم دبابات العدو وقلل من استنتاجات استخباراته لاعتقاده أن البريطانيين على وشك الهزيمة . كانت سرعة الأحداث مشوشة ، فقرر القيام بعمل سريع يقوده شخصياً ، وكما يذكر التاريخ فإن أفراد الفيلق الأفريقى كلما تلقوا الأمر : " إبدأ بالتحرك فى الوقت المناسب " يدركون أن ثعلب الصحراء تولى قيادة المعركة شخصياً . فى الواقع لا يوجد أحد يضاهى روميل فى الجرأة ، والاندفاع لبث الفوضى فى أعدائه سوى " هانيبال " ابن هملكار برقة فى عصور ما قبل التاريخ . رأى ثعلب الصحراء - روميل - أن ساعة تغيير المعركة قد حان ، إنه قد يدفع ثمناً غالياً ، ولكنه سيبعثر ويشوش قادة جيش أعدائه ، روميل اتخذ قرارا المعركة . فى الليل ، أعطى أوامر جديدة ، ورجع إلى مركز قيادته فى منطقة العدم : تحريك قوات الفيلق الأفريقى الآلية حول الجناح الأيمن لقوات العدو الغازية ، والتقدم بين قوات البريطانيين فى حدود مصر مستخدماً الحاميات الألمانية والإيطالية التى لا زالت تحتل مواقعها فى الحدود : البردى ، وممر حلفايا ، كقاعدة ارتكاز لمناورات إحاطة لتدمير الجيش الثامن . فى تمام الساعة "30 .10 " - من صباح يوم 24 نوفمبر - تقدم روميل بصحبة رئيس أركانه -أركان مجموعة بانزر أفريقيا - اللواء " جوسى Gause " على رأس الفرقة الحادية والعشرين بانزر ، وتعقبه الفرقة الخامسة عشرة بانزر ، وكان محور اندفاعه إلى الشرق باتجاه طريق العبد ، وقبر صالح باتجاه الحدود إلى شفرزن ، نفس محور وخط الاندفاع الذى اختاره اللواء " نورى" فى السابق -وقبل هذا بستة أيام - للفيلق الثلاثين فى الاتجاه المعاكس - الغرب - هذا الاندفاع الجرىء سيطلق عليه كلا الجانبين : الاندفاع نحو الأسلاك ( وهذه الأسلاك الشائكة أمر بها " غرسيانى " سفاح ليبيا ،فى نهاية الثلاثينات من القرن العشرين، لقطع الإمدادات عن المجاهدين العرب الليبيين أثناء مرحلة الجهاد ضد الغزاة الإيطاليين . وتقع ما بين ليبيا ومصر ، وهى داخل الحدود الليبية ). هذا الاندفاع تقبله قادته ، ونفذ بدون الاهتمام لما سيجرى على أجنحتهم ، فقد أعطى اللواء " فون رافنشتاين" أوامره شفوياً للفرقة الحادية والعشرين بانزر : " العدو ضرب وينسحب نحو الجنوب الشرقى، مجموعة " ستيفان " تقود وتخترق الحدود جنوب السلوم " . كما أشارت يوميات الفرقة الخامسة عشرة بانزر ، إلى العدو المهزوم . وفى أثناء تقدم الجيش الزاحف واندفاعه مرً على مستودعين للإمدادات البريطانية مموهة ومحروسة بقوات محدودة ، ويقع أحد المستودعين على بعد خمسة عشر ميلاً جنوب شرقى بئر الغبى ، والآخر يبعد نفس المسافة شرق قبر صالح ، مرت بقربهما قوات الجناح الجنوبى لجيش روميل . ويرى بعض المؤرخين العسكريين إلى أنه فى حالة اكتشاف هذه المستودعات من قبل الألمان أو تدميرها كان يمكن أن يتغير مصير المعركة . " الاندفاع نحو الأسلاك " لم يؤثر فى حرص أركانات روميل ذوى الكفاءة والخبرة ولم يعترضوا لإعجابهم بقائدهم ورباطة جأشه وحيويته ، وحاسته غير المعتادة ، وإلمامه بالأرض ووضع المعركة ، لذلك أحبوه ، وعرفوا فيه روميل العنيف والمهذب ، والذى يعيش مع جيشه " عائلته " ورغم كل هذا ينظرون إلى الموقف بوضوح وخصوصاً نقص الإمدادات الذى قد يسبب كارثة . كانت استنتاجات أركان روميل مجموعة بانزر أفريقيا : إن الموقف خطير ، فالفرقة النيوزيلاندية القوية كانت تتقدم غرباً لنجدة حامية طبرق ، وقريباً ستكون المعركة الحاسمة . قوات العدو مبعثرة فى الصحراء ، يمكن اكتساحها وقطعها بمنجل روميل ، غير أن شفرة المنجل لم تكن حادة كما يجب واستنتجوا أن قوة الدبابات البريطانية مؤهلة - بالإمدادات - لاستعادة قوتها السابقة ، ويمكن أن تجعل المعركة القادمة مشكوكاً في كسبها . وقد صار الموقف عجيباً ، فلم يكن أحد فى الحقيقة يعلم أين يوجد اللآخر ، الوقود بدأ فى النقصان بسبب اندفاع وتمشيط الصحراء ، كان هذا هو الموقف السلبى لهذا الاندفاع . الفريق باستيكو " القائد العام الإيطالى " ورئيس روميل الأسمى ، قضى معظم يوم 25 نوفمبر فى مقر قيادة مجموعة بانزر أفريقيا ، ولم يشك فى الموقف ، ولم يقرب من اليأس وشبًه ما يجرى بوزة متوحشة مطاردة . ولو تم حشد الفيلق الأفريقى فى مكان قرب طبرق وسيدى رزق يمكن للموقف أن يحسم ضد الفيلق الثالث عشر . كان على روميل أن يعرف هذا ، وأن بتدخله سيحسم الموقف بالقوة لقطع الجيش البريطانى المختلط - الامبريالى - عن مصر ، وكان يعتقد أنه إذا سيطر على الحدود مرة أخرى سيتسابق البريطانيون فى الانسحاب خوفاً من الوقوع فى الفخ . ويمكن أن نلاحظ أن نتيجة الحركة " الاندفاع نحو الأسلاك " أنها ضد المناخ العام ، فروميل كان بعيداً عن مقر قيادته لمدة ثلاثة أيام ، وخلال هذه المدة حاول إنقاذ حاميات الحدود الألمانية التى صمدت ضد هجمات الفيلق الثالث عشر ، ولكنه فشل ، فالحاميات كانت محاصرة قبل قدومه ، ولا زالت كذلك عند عودته من الحدود . وفرق الفيلق الألمانى الأفريقى على الرغم من أنها آلة ممتازة ، لكنها واجهت صعوبات غير اعتيادية فى إمدادها بالوقود ، فيوميات الحرب للفرقة الخامسة عشر بانزر سجلت ذلك : " إمدادات الفرقة واجهت صعوبات يوم 25 نوفمبر ، قبل الاصطدام والمناوشة " . ويلاحظ أن روميل فشل فى جذب الفيلق الثلاثين القوى إلى المعركة ، ولم ينسحب البريطانيون من ليبيا ، وكان الذى حدث حقيقة هو تأثير ذلك على عقل القائد المضاد اللواء " كننجهام "الذى اقتنع بأن حركة روميل تعتبر كارثة على الجيش الثامن ، ولقد كان ينوى التحرك حسب تخطيط وتقييم روميل وتوقعاته . لقد كان تقدم روميل عاصفة ضربت اللواء " كننجهام " الذى طلب من الفريق " أوكنلك " القائد العام للشرق الأوسط أن يزوره لدراسة الانسحاب الذى يمكن تجنبه ، ولكن الفريق " أوكنلك " لم يدرس موقف الانسحاب ، بل أمر فوراً : معركة الصليبى يجب أن تستمر . فى يوم 26 نوفمبر استلم روميل برقية - اعتبرها ضارة بالموقف - من مركز قيادة مجموعة جيش بانزر أفريقيا الخلفى أرسلها العقيد " ويستفال " على مسؤوليته الشخصية حيث نجح بالاتصال بالفرقة الحادية والعشرين بانزر ، وأمرها بالتحرك السريع والعودة إلى منطقة طبرق ، وكان عمل " ويستفال هذا عملاً جديراً بالإعجاب ويدلً على تحمل العقيد " ويستفال " المسؤولية بشجاعة ، حيث استخدم صلاحيات روميل عندما تأكد أن الموقف خطير ، فموقف الوقود كان سيئاً ، والخسائر من جرًاء القصف الجوى كانت كبيرة أثناء معركة " الصليبى Crusader "،( ولقد أخبرنا الجنرال ويستفال،فى محاضرة ألقاها فى مجموعة من الضباط، وكنت حاضراً فى مبنى الكلية العسكرية الليبية سابقاً فى مدينة بنغازى، حيث أخبرنا كيف وًبخه روميل على إصداره أوامر الانسحاب . وفى المساء ، ثم بعد دراسة الموقف شكره على عمله، وكان هذا فى عام 1972 ، ولا زلت أحتفظ بنص محاضرته)، حيث كان التفوق الجوى للبريطانيين لا يقل عن " 16" سرباً من المقاتلات و " 8 " أسراب من القاذفات المتوسطة. مجموعة بانزر أفريقيا - معظم التشكيلات - متوقفة لنقص الوقود ، مما نتج عنه تجزئة التشكيلات وتعرضها للتدمير ، ورغم أن روميل قد فهم بوضوح أن مجازفته قد فشلت ، ولكنه استمر بعناد فى القتال فى الحدود يوماً آخر . قامت الفرقة الخامسة عشرة بانزر باكتساح مركز قيادة اللواء النيوزيلاندى فى منطقة سيدى عزيز وأسرته ، غير أن الفرقة النيوزيلاندية فى قطاع طبرق قامت بهجوم ليلى - هجوم ليلى صامت - على بروز سيدى رزق ، متزامناً هجومها مع هجوم قامت به حامية طبرق المحاصرة ، حيث نجحوا فى الاختراق ، وروميل ما زال بعيداً . تم الاتصال بين القوات من داخل طبرق المحاصرة ، مع قوات الجيش باحتلال ممر ضيق ، وغير حصين من الأرض للاتصال بحامية طبرق لنجدتها . ومن سخرية الأقدار أن روميل الذى تسيطر على تفكيره طبرق ، وضرورة احتلالها كان بعيداً فى تلك الساعات المأساوية . " الاندفاع نحو الأسلاك " انتهت وأصبح وضع روميل خطيراً ، ولقد أوضح العقيد " بايرلاين " -اللواء فيما بعد- الموقف كما يلى : " ... روميل مستمر فى قيادة عربته من وحدة إلى أخرى ، وكعادته من خلال الخطوط البريطانية ...وفى إحدى المرات دخل إلى مستشفى نيوزيلاندى تحت سيطرة العدو ، وفى هذا الوقت لا يعلم أحد بحق من هو الآسر ، ومن هو الأسير ، ما عدا روميل الذى لم يشك فى ذلك ، سائلاً أحد الأطباء : إذا كانوا فى حاجة لإمداد ، أو ينقصهم الدواء ، ووعد بإمدادهم بأدوية بريطانية ، ثم قاد عربته مسرعاً . وقد اتضح الموقف لروميل ، وكانت الصورة واضحة ، فموقف قواته المحاصرة لطبرق أصبح ضعيفاً ، لا بد من الإحاطة وسد الثغرة مرة أخرى ، ولا بد من عزل طبرق ، وقد أصبح هذا هو الهدف التالى لروميل والأخير . قام بمناورة ،- والتى عرفت فيما بعد بمعركة " سيدى رزق الثالثة " - ، حيث ركز روميل على المحاصرين لطبرق ، رغم ضعفهم ، وسد الثغرة وعزل طبرق عن الجيش الثامن المهاجم . من أجل هذا الهدف الأخير - فى الصفحة الأولى - من معركة " الصليبى " حشد روميل فرقتى البانزر : الخامسة عشرة ، والحادية والعشرين ، شرق سيدى رزق على طريق كابوتسو ، ثم طار فى طائرته الصغيرة ليلتحق بمركز قيادته - قيادة مجموعة بانزر أفريقيا - فى العدم ، واستقبل أركانه عودته بارتياح ، واتخذ ثعلب الصحراء قراره : الآن على الفيلق الأفريقى أن يطوق ويدمر النيوزيلانديون فى سيدى رزق ، النيوزيلانديون الذين كانوا يأملون الدعم بألوية دبابات الفيلق الثلاثين ، الذى تحرك مرة ثانية من الجنوب والجنوب الشرقى ، هذه الألوية التى يعلم أركانات روميل أنها دعمت بدبابات جديدة ، وأطقم جديدة . ولقد كان الإنجاز الحقيقى للجيش الثامن البريطانى هو استبدال الجنود والعربات والاقتصاد والحذر فى استخدامها لوقت الحاجة إليهما ، مع تعاقب صفحات المعركة ، فبالنسبة لهم كانوا منفعلين مع المرونة ، ومما يلاحظ أن هذا على النقيض من أسلوبهم القتالى وتعبيتهم " تكتيكهم " التى أهدروا فيها فرصاً ثمينة . استلم اللواء " كرويل " مهمته وقرر طرد النيوزيلانديين من سيدى رزق ، الهجوم بالفرقة الحادية والعشرين بانزر ، من الشرق متجهاً إلى الشمال ، هدفه بالحامض ، والفرقة الخامسة عشرة بانزر فى الجنوب على طول ممر طريق كابوتسو باتجاه الدودة . أعطى اللواء " كرويل " أوامره وفقاً لهذه المعركة التى ستشعل أوارها فى يوم 29 نوفمبر1941 ،وروميل لم يقتنع ، ورأى أن العمل الأساسى هو العمل المضاد والقوى الزخم لدعم ونجدة القوات المحاصرة لطبرق ، بالضغط وطرد النيوزيلانديين فى منطقة سيدى رزق ، ومركز قيادة الفيلق الثلاثين ، الذى تحرك داخل طبرق . كان روميل مصمماً على العكس تماماً ، وهو عزل المدافعين عن سيدى رزق ، ثم تدميرهم بحركة تطويق ، ثم أصدر أمراً بإلغاء أوامر اللواء " كرويل " ، ونتيجة لهذه الأوامر أرسلت :على الفرقة الخامسة عشرة بانزر ، والتى سبق وأن أرسلت إلى الغرب جنوب بروز سيدى رزق بالاتجاه شمالاً والهجوم باتجاه الدودة ، حيث تمت الحركة بنجاح ، وسقطت الدودة أخيراً ، ثم استردها العدو . قام روميل بزيارة اللواء " كرويل " ظهر يوم 29 نوفمبر ليلح بإصرار أن هدف هذه العملية هو تدمير عناصر الفيلق الثالث عشر المحتلة لسيدى رزق وعزلها عن حامية طبرق . ومن جرًاء هذا دبت الفوضى فى النيوزيلانديين ، وكاد أن يتم تطويقهم ، هجوم من الجنوب على جرف سيدى رزق نفسها ، حيث حسم الموقف فى اليوم التالى 30 نوفمبر ، حيث أبرق اللواء " فرايبرغ"- قائد الفرقة النيوزيلاندية - فى تمام الساعة 45 .19 ليلاً إلى الفيلق الثالث عشر : " العدو داخل سيدى رزق " . الممر إلى طبرق لا زال على حد ما مفتوحاً بأيدى البريطانيين ، وروميل ما زال قريباً من إنجاز أعماله اليائسة ، واللواء " فرايبرغ " سحب بقايا فرقته باتجاه الشرق ، ثم إلى الجنوب . فى اليوم الأول من شهر ديسمبر ، ما زال روميل يحاول القضاء على الثغرة باتجاه طبرق ، ولقد دفع روميل بكل ما لديه من قوة للمعركة ، وكان واضحاً أن ما لديه من قوة لا يكفى ففى هذا اليوم أوضح أركاناته الموقف بوضوح عن قوة البريطانيين . طبرق لا زالت محاصرة ، ولكن لا يوجد مقارنة فى القوة بين الجانبين المتصارعين ، : فروميل الآن يعلم أنه لا يستطيع النجاح فى الحملة التى كان هدفها احتلال طبرق . وحشد القوات المحاصرة لطبرق فى محاولة غير ناجحة لاحتلال الدودة مرة ثانية بالفرقة الحادية والعشرين بانزر ، وقد استثنى روميل مجموعة بانزر أفريقيا من حلقة الحصار طبرق ، وقرر سحب قوات حصار طبرق ، مع تخليص جميع الفرق الإيطالية والألمانية من مواقعها خلال الأيام من : 4 إلى 8 ديسمبر والانسحاب غرباً لاحتلال مواقع جديدة ، كان قد سبق تجهيزها وتحصينها من قبل الإيطاليين فى مراحل سابقة ، تمتد جنوباً من عين الغزالة التى تبعد " 60 " كيلو متراً غرب طبرق . وكان قرار روميل صائباً ، بالنسبة لموقف ضعف قواته وإمداداته ، ولكن هذا لا بد من مناقشته مع القادة الإيطاليين فالإقليم ومنذ احتلاله - بعد انتهاء مرحلة الجهاد البطولى- أصبح تحت سيطرة الإيطاليين .
|